القاضي عبد الجبار الهمذاني
193
شرح الأصول الخمسة
ويشدون قوائمها ثم يدهدونها من هناك إلى أسفل ، ثم يقولون : انزلي ولا تنزلي ، ثم إذا سقطت وماتت يأكلونها ويقولون إنها يزدان كشت . وهذا هو بعينه مذهب القوم لأنهم يقولون : إن اللّه تعالى أمر الكافر بالإيمان ، وهو لا يقدر عليه ، ونهاه عن الكفر وهو لا يمكنه الانفكاك عنه . ووجه آخر من المضاهاة ، هو أنهم يقولون : إن نكاح الأم والبنات بقضاء اللّه تعالى وقدره ، كما أن المجبرة يقولون فيه وفي جميع المقبحات ، أنها بقضاء اللّه وقدره ، بل حالهم أسوأ من حال المجوس ، لأن المجوس اعتقدوا أن نكاح البنات والأمهات حسن ، ثم أضافوه إلى اللّه تعالى ، والمجبرة اعتقدت فيه القبح ثم أضافته إلى اللّه تعالى . وقد ذكر وجوه في المضاهاة بين مذهب المجبرة ومذهب المجوس تركناها كراهية الإطالة . وإذ قد تقرر ذلك صح دخولهم تحت قول النبي صلى اللّه عليه وآله « القدرية مجوس هذه الأمة » وسنعود إلى هذه الجملة إن شاء اللّه تعالى . فهذا هو الكلام على الثنوية من المانوية والديصانية والمرقيونية والمجوس . وشبههم في هذا الباب ، هو أن قالوا : إن الآلام قبيحة كلها ، والملاذ حسنة كلها ، والفاعل الواحد لا يجوز أن يكون موصوفا بالخير والشر جميعا . وجوابنا ، أنا لا نسلم أن الآلام قبيحة كلها . وأن الملاذ حسنة كلها ، بل فيها ما يقبح وفيها ما يحسن ، لأنها إنما تقبح وتحسن لوقوعها على وجه ، ولهذا نستحسن بعقولنا تحمل المشاق في الأسفار طلبا للعلوم والأرباح وأن نفتصد ونحتجم ، ونستقبح بعقولنا الانتفاع بالأشياء المغصوبة . اللذة والألم من جنس واحد : وبعد : فلم لا يجوز في الفاعل الواحد أن يكون موصوفا بالخير والشر ؟ فإن قالوا : لأنهما متضادان ، قلنا : ومن أين أن الألم واللذة يتضادان ونحن لا نسلم ذلك بل هما من جنس واحد . وبعد فإن لم يجز في الفاعل الواحد أن يكون موصوفا بهذين دفعة واحدة ، يجوز أن يوصف بهما على وقتين ، فهلا جاز في الفاعل الواحد أن يفعل الألم في وقت واللذة في وقت آخر ، فلا تحتاج إلى فاعلين .